الأربعاء، 19 أغسطس 2026
حوار صحفي
حوار صحفي مع الأستاذة فاطمة الحارك
إعداد وتقديم الحوار: د. لينا أحمد دبة
مجلة النجوم الثقافية
مقدمة الحوار
في حوار خاص، نستضيف اليوم الأستاذة فاطمة الحارك، وهي شخصية جمعت بين علم النفس الإكلينيكي والكتابة والأدب والعمل الإنساني والإعلامي. تجربة بدأت في وقت مبكر مع الكتابة، حين تحولت الكلمات إلى مساحة للتعبير عن الألم والفرح والضغط والأسئلة التي كانت تبحث عن إجابات، ثم امتدت إلى مسار أكاديمي ومهني في علم النفس الإكلينيكي، وإلى حضور أدبي وثقافي وجمعوي وإعلامي.
في هذا الحوار نقترب أكثر من تجربتها، من البدايات التي صنعت ملامحها، إلى التحديات التي واجهتها، ومن الكتابة كصوت داخلي إلى علم النفس كرسالة إنسانية، وصولًا إلى رؤيتها للمستقبل وما تطمح إلى تركه خلفها.
س: بدايةً، نرحب بك معنا. كيف تقدمين نفسك لقراء المجلة؟
ج:
أقدم نفسي أولًا كإنسانة آمنت منذ وقت مبكر بأن الإنسان يستطيع أن يحول ألمه إلى معنى، وتعثره إلى بداية جديدة. أنا فاطمة الحارك، أخصائية في مجال علم النفس الإكلينيكي، وكاتبة وشاعرة، وفاعلة في المجال الثقافي والإعلامي والإنساني.
ربما يصعب اختصار الإنسان في مهنة أو شهادة أو صفة واحدة، لأن ما نصبح عليه اليوم تصنعه أشياء كثيرة: طفولة، أسئلة، تجارب، نجاحات، انكسارات، أشخاص مررنا بهم، وأحلام رفضنا أن نتخلى عنها.
الكتابة رافقتني منذ الطفولة، كتبت تحت الألم كما كتبت تحت الفرح، وكتبت حين كان الكلام عاجزًا عن احتواء ما أشعر به. ثم جاء علم النفس الإكلينيكي ليمنحني لغة علمية لفهم الإنسان، بينما منحني الأدب مساحة أخرى لأقترب منه من الداخل.
لذلك أرى نفسي في تقاطع جميل بين العلم والإنسان والكلمة.
س: كيف بدأت رحلتك في هذا المجال؟ وما الذي دفعك لاختيار هذا الطريق؟
ج:
رحلتي بدأت قبل أن أعرف حتى أنني أسير نحو علم النفس. بدأت من الإنسان نفسه، من فضولي تجاه مشاعره، ومن الأسئلة التي كانت ترافقني حول الألم، والخوف، والتغير، والصمود، ولماذا يستطيع شخص أن ينهض من تجربة قاسية بينما يظل آخر أسيرًا لها.
الكتابة كانت أول نافذة. كنت أكتب منذ طفولتي، وكانت الكلمة بالنسبة إليّ مساحة أتنفس من خلالها وأفهم نفسي والعالم من حولي. ومع مرور السنوات أصبح لدي شغف أكبر بفهم ما يحدث داخل الإنسان، فقادني ذلك إلى علم النفس، ثم إلى التخصص في علم النفس الإكلينيكي.
اخترت الإكلينيكي لأنني وجدت فيه أكثر من تخصص أكاديمي؛ وجدت فيه مسؤولية إنسانية كبيرة. أن تجلس أمام إنسان يحمل قصة قد تكون أثقل مما يظهر على وجهه، وأن تحاول فهم معاناته بعمق واحترام، فهذا يتطلب علمًا وأخلاقًا وحضورًا إنسانيًا حقيقيًا.
س: ما أبرز المحطات التي شكلت شخصيتك ومسيرتك المهنية؟
ج:
هناك محطات كثيرة، وبعضها لم يكن سهلًا، لكنه كان ضروريًا في تشكيل الإنسان الذي أصبحت عليه.
من أهم المحطات مساري الأكاديمي في علم النفس الإكلينيكي، ثم التكوين والتدريب الميداني الذي قربني من الواقع الإكلينيكي ومن الحالات الإنسانية بكل تعقيداتها. هناك تعلمت أن الكتب تمنحنا المعرفة، لكن الإنسان يمنحنا الاختبار الحقيقي لهذه المعرفة.
ثم جاءت الكتابة والنشر والمشاركة في الملتقيات والفعاليات الأدبية والثقافية، وإصداري أعمالًا أدبية من بينها روايتا «بين *«أقوى من السقوط»**. الكتابة بالنسبة إليّ لم تكن مشروعًا منفصلًا عن حياتي، وإنما كانت امتدادًا لها.
وكان للعمل الجمعوي والإنساني حضور مهم أيضًا، لأن الاحتكاك بالناس وقضاياهم ومعاناتهم يجعل علاقتنا بالمهنة أكثر واقعية، ويذكرنا دائمًا بأن خلف كل ملف أو حالة أو رقم إنسانًا له قصة.
كما أن حضوري في المجال الإعلامي والثقافي، ومساهمتي في الكتابة الصحفية، وانخراطي في العمل المرتبط بالسيناريو والكتابة، كلها وسعت رؤيتي وجعلتني أؤمن أكثر بأن المعرفة يجب أن تصل إلى المجتمع، وأن الثقافة والعلم حين يخرجان من الكتب إلى الناس يصبح لهما أثر حقيقي.
س: هل واجهت تحديات أو صعوبات في بداياتك؟ وكيف استطعت تجاوزها؟
ج:
طبعًا. الطريق الذي يحمل معنى حقيقيًا نادرًا ما يكون مستقيمًا وسهلًا.
واجهت تحديات صحية وشخصية .....، وعرفت لحظات شعرت فيها بأن الطريق أثقل مما أستطيع تحمله. كانت هناك ظروف تختبر قدرتي على الاستمرار، وأوقات كان يمكن فيها للتعب أن يقنعني بالتوقف.
لكنني تعلمت شيئًا مهمًا: القوة لا تعني أن الإنسان لا يتعب أو لا ينكسر، وإنما تعني أن يجد، وسط كل ذلك، سببًا يجعله يحاول مرة أخرى.
أنا أؤمن كثيرًا بالإرادة، لكنني أؤمن أيضًا بأن الإرادة تحتاج إلى معنى. عندما يعرف الإنسان لماذا يريد الوصول، يصبح أكثر قدرة على احتمال الطريق.
وربما لهذا السبب حملت إحدى رواياتي عنوان «أقوى من السقوط»؛ لأن السقوط في الحياة قد يحدث، لكن القيمة الحقيقية تكمن فيما نفعله بعده.
س: ما الإنجاز الذي تشعرين أنه الأقرب إلى قلبك؟ ولماذا؟
ج:
يصعب عليّ اختيار إنجاز واحد، لأن لكل محطة معناها الخاص.
ربما أقرب الإنجازات إلى قلبي هو أنني استطعت أن أحافظ على علاقتي بالكتابة وأنا أخوض مسارًا علميًا ومهنيًا مختلفًا. أن أصل إلى مرحلة أدرس فيها علم النفس الإكلينيكي، وأتدرب ميدانيًا، وأكتب وأشارك في الفضاء الثقافي والأدبي، فهذا بالنسبة إليّ يحمل معنى خاصًا.
وأعتز كثيرًا بأعمالي الأدبية، خصوصًا «أقوى من السقوط»، لأنها تحمل جزءًا من فلسفتي تجاه الحياة: الإنسان قد يتعب، وقد يتعثر، وقد يمر من الظلال، لكنه يستطيع أن يبحث عن طريقه نحو النور.
لكن هناك إنجازًا آخر لا يظهر في الشهادات ولا في الكتب: أن أكون قادرة على لمس إنسان بكلمة، أو فكرة، أو موقف، وأن يشعر شخص ما بأنه مفهوم أو مسموع. هذا بالنسبة إليّ من أجمل أشكال النجاح.
س: من الشخص أو الأشخاص الذين كان لهم تأثير كبير في مسيرتك؟
ج:
تأثير الأشخاص في حياتنا لا يأتي دائمًا من شخص واحد. هناك أشخاص علمونا بالحب، وآخرون علمونا بالصعوبة، وهناك من منحونا الثقة، وهناك من جعلونا نكتشف قوتنا لأنهم وضعونا أمام تحديات لم نكن نعرف أننا قادرون على تجاوزها. ولا أنسى زوجي الذي له الفضل الكبير طبعا بعد فضل الله في مسيرتي الأكاديمية
والمهنية أعتز بكل أستاذ ومؤطر ومشرف ترك أثرًا في تكويني، خصوصًا أولئك الذين جعلوني أتعامل مع علم النفس باعتباره علمًا ومسؤولية أخلاقية في الوقت نفسه.
كما أن عائلتي وتجربتي الإنسانية كان لهما أثر عميق في شخصيتي، والكتابة نفسها كانت رفيقًا دائمًا في مراحل كثيرة من حياتي.
وأعتقد أن بعض الأشخاص يؤثرون فينا حتى بعد مغادرتهم حياتنا، لأنهم يتركون فكرة أو كلمة أو موقفًا يستمر معنا سنوات طويلة.
س: كيف ترين واقع مجالك اليوم؟ وما أبرز التحديات التي تواجهه؟
ج:
علم النفس اليوم أصبح حاضرًا بقوة في المجتمع، وهذا أمر إيجابي، لأن الحديث عن الصحة النفسية أصبح أكثر انتشارًا من السابق. لكن هذا الانتشار يضع أمامنا مسؤولية كبيرة.
أكبر ما يقلقني هو الخلط بين المعرفة العلمية والمحتوى السريع، وبين التكوين المتخصص والشعارات التي تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي. المجال الإكلينيكي تحديدًا يحتاج إلى تكوين أكاديمي عميق، وتدريب ميداني، وإشراف، وأخلاقيات مهنية، وقدرة على تحمل تعقيد الإنسان.
حين يتحول الألم النفسي إلى مادة للتسويق، أو حين يصبح كل شخص قادرًا على تقديم نفسه باعتباره معالجًا أو مستشارًا دون تكوين مناسب، فإن الأمر يتجاوز مسألة المهنة ويصبح مرتبطًا بسلامة الناس النفسية.
نحتاج اليوم إلى وعي أكبر، وإلى تنظيم مهني واضح، وإلى حماية للمواطن، وإلى تقدير حقيقي لمكانة الصحة النفسية.
وأنا أؤمن أن الاستثمار في الصحة النفسية استثمار في الإنسان والمجتمع ومستقبل الأجيال.
س: ما طموحاتك ومشروعاتك خلال الفترة المقبلة؟
ج:
طموحاتي كثيرة، وربما أكثر ما يميزها أنها تتحرك في أكثر من اتجاه، لكنها تلتقي كلها عند الإنسان والمعرفة.
أطمح إلى مواصلة مساري في علم النفس الإكلينيكي، وتطوير تكويني وممارستي العلمية والمهنية، والمساهمة في نشر ثقافة نفسية أكثر دقة ووعيًا.
كما أطمح إلى مواصلة الكتابة والنشر، لأن لدي الكثير من الأفكار والمشروعات الأدبية والفكرية التي أريد إخراجها إلى النور.
وأريد أيضًا أن أستمر في الحضور الثقافي والإعلامي، وأن أساهم في تقديم محتوى يجمع بين المعرفة والعمق والإنسانية، بعيدًا عن التبسيط المخل أو الإثارة الفارغة.
أحلم بمشروعات تجعل علم النفس أقرب إلى المجتمع، وتجعل الأدب أكثر قدرة على طرح الأسئلة الإنسانية، وتفتح أمام الشباب أبوابًا جديدة للمعرفة والإبداع.
س: ماذا تقولين للشباب الذين يحلمون بالنجاح في المجال نفسه؟
ج:
أقول لهم: لا تبحثوا عن النجاح السريع، ابحثوا عن القيمة.
تعلموا، اقرأوا، اسألوا، تدربوا، واسمحوا لأنفسكم بأن تخطئوا وتتعلموا. في المجالات الإنسانية تحديدًا، الشهادة بداية الطريق وليست نهايته.
لا تجعلوا وسائل التواصل الاجتماعي معيارًا لقيمتكم أو لسرعة نجاحكم. هناك فرق كبير بين أن يعرفك الناس وأن تكون جديرًا بالثقة.
والأهم: لا تفقدوا إنسانيتكم وأنتم تبحثون عن النجاح. في علم النفس خصوصًا، لا يكفي أن تعرف التشخيص والنظريات والتقنيات؛ يجب أن تعرف كيف تصغي، وكيف تحترم الألم، وكيف تحافظ على كرامة الإنسان.
وأقول لكل شاب يحمل حلمًا كبيرًا: ربما تتأخر، ربما تتعب، وربما تضطر إلى إعادة بناء نفسك أكثر من مرة، لكن هذا كله جزء من الطريق. المهم أن تعرف لماذا بدأت، وأن تظل وفيًا للمعنى الذي دفعك إلى البداية.
س: كلمة أخيرة توجهينها لقراء مجلة «النجوم»؟
ج:
أقول لهم: لا تسمحوا للظروف أن تكتب النهاية نيابة عنكم.
كل إنسان يحمل داخله قصة قد لا يعرفها الآخرون، وقد يحمل جرحًا يخفيه بابتسامة، وقد يخوض معركة لا يراها أحد. لذلك، كونوا أكثر رحمة بالناس، وأكثر رحمة بأنفسكم.
اقرؤوا، اسألوا، تعلموا، واختلفوا باحترام. لا تجعلوا المعرفة مجرد وسيلة للظهور، اجعلوها وسيلة للفهم والتغيير.
وأؤمن أن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه هو أثر طيب: فكرة غيّرت شخصًا، كلمة أعادت الأمل، كتاب جعل قارئًا يرى الحياة بطريقة مختلفة، أو موقف إنساني جعل شخصًا يشعر بأنه ما زال مهمًا.
كل الشكر لمجلة النجوم الثقافية، وللدكتورة لينا أحمد دبة على هذا الحوار، وعلى هذه المساحة التي تسمح للإنسان أن يتحدث عن تجربته بعيدًا عن العناوين المختصرة.
ختام الحوار
في ختام هذا اللقاء، نتقدم بخالص الشكر والتقدير للاستاذة فاطمة الحارك على مشاركتنا جانبًا من تجربتها الإنسانية والمهنية، وعلى ما قدمته من رؤى حول علم النفس والكتابة والعمل الثقافي والإنساني.
تجربة تؤكد أن المسار الحقيقي لا تصنعه الشهادات وحدها، وإنما تصنعه القدرة على الاستمرار، وتحويل التجربة إلى معرفة، والألم إلى معنى، والكلمة إلى أثر.
حوار صحفي | مجلة النجوم الثقافية
إعداد وحوار: د. لينا أحمد دبة
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
العدد 3
مجلة النجوم | الإصدارات الرسمية العدد 3 : مجلة النجوم نضع بين أيديكم الإصدار الجديد لنرتقي معاً ...
-
حوار صحفي مع الأستاذة فاطمة الحارك إعداد وتقديم الحوار: د. لينا أحمد دبة مجلة النجوم الثقافية مقدمة الحوار في حوار خاص، نستضيف اليوم ال...
-
حوار صحفي مع [د احمد مراح ] إعداد وتقديم الحوار: د. لينا أحمد دبة نجوم : [ مجلة النجوم الثقافية] مقدمة الحوار في حوار خاص، نستضيف ال...
-
حوار صحفي مع [الشاعر حسين الاحساسي ] إعداد وتقديم الحوار: د. لينا أحمد دبة نجوم : [ مجلة النجوم الثقافية] مقدمة الحوار في حوار خاص...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق